الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

400

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى ، وقد أخبر نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - بنسخه ، وليس عيسى - عليه السّلام - هو الناسخ ، بل نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - هو المبين للنسخ ، فدل على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية هو شرح نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - . أشار إليه النووي في شرح مسلم . فإن قلت : ما المعنى في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى - عليه السّلام - في عدم قبول الجزية ؟ فأجاب ابن بطال : بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال ، وليس يحتاج عيسى - عليه السّلام - عند خروجه إلى مال ، لأنه يفيض في أيامه المال حتى لا يقبله أحد ، فلا يقبل إلا القتل أو الإيمان باللّه وحده . انتهى . وأجاب الشيخ ولى الدين ابن العراقي : بأن قبول الجزية من اليهود والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل . وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم ، فإذا نزل عيسى - عليه السّلام - زالت تلك الشبهة بحصول معاينته ، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم ، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام ، والحكم يزول بزوال علته . قال : وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له . قال وهذا أولى مما ذكره ابن بطال . انتهى . وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر ، وأنه باق إلى اليوم ، فإنه تابع لأحكام هذه الملة . وكذلك إلياس على ما صححه أبو عبد اللّه القرطبي أنه حي أيضا . وليس في الرسل من يتبعه رسول له كتاب إلا نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - ، وكفى بهذا شرفا لهذه الأمة المحمدية زادها اللّه شرفا . فالحمد للّه الذي خصنا بهذه الرحمة ، وأسبغ علينا هذه النعمة ، ومنّ علينا بما عمنا به من الفضائل الجمة ، ونوّه بنا في كتابه العزيز بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ « 1 » ، فتأمل قوله كُنْتُمْ أي في اللوح المحفوظ ، وقيل : كنتم في علم اللّه . فينبغي لمن هو من هذه الأمة المحمدية أن يتخلق بالأخلاق الزكية ، ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة من الأوصاف المرضية ، ويتأهل لما لها من الخيرية .

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 110 .